لم يكن الشعب المجري ولا المراقبين يتوقعون أن يكون تاريخ 12 أبريل 2026 علامة فارقة في السياسة الداخلية والدولية عندما ذهبوا إلى الإنتخابات البرلمانية مسقطين حزب الفيديس بزعامة أوربان فيكتور بعد 16 عاماً من قيادته للمجر مانحين Magyar Péter المؤسس منذ عامين فقط لحزب Tisza كتيار معارض جديد لحكومة Orbán Viktor بعد إنسحابه من الإطار التنظيمي لحزب Fidesz.
كانت جل التوقعات تذهب إلى أن حزب الFidesz سيكون الفائز في الإنتخابات، ذلك أن 16 عاماً من التربع على رأس السلطة منحته الفرصة لهيكلة المؤسسات الحكومية والقضائية والإعلامية والإقتصادية في بوتقة اللون الواحد مما أدى إلى بروز طبقة من الأثرياء أشعلت غضباً حبيساً في نفوس الشعب وهو يرى تصاعد الغلاء وانحساراً في الخدمات التعليمية والصحية إضافة إلى المواقف السياسية الخارجية الصاعقة التي نهجتها حكومة أوربان تجاه الإتحاد الأوروبي والوضع في الشرق الأوسط مبتعدة عن الإرث التاريخي الذي وسم الحياة السياسية المجرية والتي كانت تحمل عناوين القانون الدولي والعدالة وحق الشعوب في تقرير المصير حتى أن المطلعين على التاريخ السياسي المجري الحديث يتذكرون كيف أن المجر كانت البقعة الجغرافية التي إنطلقت منها المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والحوار الفلسطيني مع قوى السلام في إسرائيل عام 1984. بحيث غدت المجر في نظر من يعرف تاريخها نسخة جديدة منفصلة عن تاريخها التليد في التماهي مع قضايا الشعوب العادلة مستلهمة إشعاع شاعرها العظيم Petőfi Sándor شاعر ثورة 1884 ورواد الفكر والثقافة الذين احتلوا مكانتهم العالمية أمثال Lukács György والعشرات من الذين حازوا جائزة نوبل معبرين عن جوهر بلد سكانه 10 ملايين بيد أنه بلد الإشعاع والإبداع والسماحة.
تحليلات جمة توقفت عند الدرس المجري في 12 من أبريل، لعل أهمها ذلك الإنتقال السلس للسلطة، كأن المجر تريد أن يظل إشعاعها الريادي كما عرفه من تابع مسارها السياسي لنصف قرن مضى، فثورة 1956 في المجر كانت الرائدة في المعسكر الإشتراكي ضد النفوذ السوفييتي وهي التي أسست لربيع براغ 1968.
ويرى المتابعون للشؤون المجرية أن إنتصار Magyar Péter يمثل صفحة جديدة في التاريخ السياسي المجري الحديث وذلك وفق مشروعه الذي عرضه للجمهور واهم بنوده:
- استقلال القضاء: إلغاء المكتب القضائي الوطني الخاضع لسيطرة فيدس، وإعادة سنّ التقاعد الإلزامي للقضاة، وإبعاد المحكمة الدستورية عن التسييس.
- تعدّدية الإعلام: تفكيك مؤسّسة الصحافة والإعلام لأوروبا الوسطى (KESMA: احتكار عائلة أوربان الإعلامي) وطرح وسائلها للبيع لمالكين مستقلّين.
- تشريعات مكافحة الفساد: إنشاء نيابة عامّة مستقلّة بالكامل، مع إشراف أوروبي، لاستعادة الأصول التي استولت عليها شبكة أوربان.
- تحديد ولايات رئيس الوزراء: حدّ أقصى ولايتَين، يُرسَّخ في تعديل دستوري جديد لا يُمرَّر إلا بأغلبية معزّزة من حزبَين على الأقلّ.
ولعل الأيام والشهور القادمة تظهر الموقع الريادي الجديد للمجر الذي عبر عنه زعيم حزب Tisza الفائز بالإنتخابات Magyar Péter. سواء في السياسات الداخلية أو الدور المجري داخل الإتحاد الأوروبي والوضع في الشرق الأوسط.
د. عبد المنعم قدورة








