نشرت صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن مقالاً للكاتب محمد تركي الربيعو في 3 من نيسان 2026 يتحدث فيه عن مدينة حمص السورية المشهوره بالنكته والظرافه المفعمة بذكاء معهود. ولعل ماينطبق على مدينة حمص السورية موجود في مدن عربية وأجنبية بحيث تتميز تلك المدينة بتراث مفعم بالذكاء والنكتة. ففي سوريا يرتبط أسم حمص بالنكته حتى باتت حمص تُعرف في المخيلة الشعبية مدينة للضحك والدعابة. ومع مرور الزمن، لم يقتصر الأمر على النكتة فقط، بل ظهرت رواية أخرى أكثر غرابة، وهي ربط الحماصنة بالجنون، حتى أصبح «الجنون» جزءاً من الصورة الشعبية للمدينة.
كثيراً ما ارتبط هذا الجنون بيوم الأربعاء، حتى إن السوريين، عندما يريدون الإشارة إلى أن أحدهم يتصرف بطريقة غير مألوفة، من دون اتهامه بالجنون مباشرة، يقولون له مازحين: «اليوم ليس الأربعاء»، في إشارة إلى «يوم الحماصنة». لكن لماذا رُبط الجنون والفكاهة بالحماصنة؟ هل للموضوع جذور تاريخية حقيقية؟ أم أننا أمام حكايات شعبية تراكمت مع الزمن، حتى تحولت إلى جزء من المخيلة العامة؟
تُعد حمص واحدة من أقدم المدن السورية، وقد لعبت دوراً مهماً في تاريخ المنطقة عبر قرون طويلة، ومع ذلك، لم تُعرف المدينة في المخيلة الشعبية بتاريخها السياسي، أو العسكري بقدر ما عُرفت بنكاتها وحكاياتها الطريفة. وتنبع هذه النكات عادة من روح المرح والدعابة التي يتسم بها سكانها، لكنهم أيضاً، في الوقت نفسه، أصبحوا هدفاً للنكات. هناك من حاول تفسير ذلك من خلال أحداث تاريخية معينة. ومن بين هذه الأحداث، تبرز قصة الجغرافي الشهير ياقوت الحموي، الذي زار حمص في بدايات القرن الثالث عشر، فقد وجد ياقوت، خلال زيارته، أن بعض أهل المدينة يميلون إلى الإمام علي أكثر من معاوية.
بعد زيارة ياقوت الحموي لحمص بقرنين تقريباً، كانت المدينة على موعد مع حكاية أخرى، أكثر غرابة. ففي أواخر القرن الرابع عشر، اجتاحت جيوش تيمورلنك بلاد الشام. وكان تيمورلنك أحد أقوى الحكام في آسيا الوسطى، وقد اشتهر بقسوته الشديدة، وبالمجازر التي ارتكبها في المدن التي غزاها. تروي بعض الروايات أن تيمورلنك اجتاح مدينة حلب أولاً، وارتكب فيها مجازر كبيرة، حتى تحدثت بعض المصادر عن بناء برج من الجماجم. وبعد ذلك، سارت جيوشه نحو حمص. وهنا تتضارب الروايات. فبعضها يقول إن أهل المدينة قدموا الهدايا لجنود تيمورلنك، فتخلى عن قتالهم ومضى إلى دمشق. لكن رواية أخرى أكثر انتشاراً تحكي قصة مختلفة. تقول هذه الحكاية الشعبية إن أهل حمص، عندما علموا باقتراب جيوش تيمورلنك، اجتمعوا للتشاور. واقترح أحد الوجهاء فتح أبواب المدينة أمام المغول، لكن مع تنفيذ خطة غريبة. وصادف أن يكون ذلك في يوم الأربعاء. عندما دخل المغول المدينة، فوجئوا بمشهد غير متوقع. كان أهل حمص قد ارتدوا ثيابهم بالمقلوب، ويتحدثون بلغة غير مفهومة، ويسيرون بطريقة غريبة، ويتظاهرون بأنهم مجانين. خاف الجنود مما رأوه، وظنوا أنهم أمام مدينة مصابة بالجنون. وكان الاعتقاد سائداً في ذلك الزمن أن الجنون مرض قد ينتقل عبر الهواء، أو عبر ملامسة الأجساد، ولذلك، قرر الجنود الانسحاب، وترك المدينة دون قتال. الطريف في هذه القصة أن الجنون هنا لم يكن دليلاً على الغباء، بل على الذكاء. فقد تحول «الجنون» إلى وسيلة للنجاة، وأصبح جزءاً من ذاكرة المدينة. ومنذ ذلك الوقت، ارتبط اسم حمص بالنكتة والجنون والذكاء في آن واحد.
وفي هذا السياق، يصبح الضحك ليس خروجاً عن النظام، بل جزءاً من إعادة إنتاجه، ويصبح «الجنون» لحظة منظمة ومؤقتة، لا تهدف إلى الفوضى، بل إلى استعادة التوازن.. ولعل هذا ما يجعل نكتة حمص أكثر من مجرد نكتة عابرة، فهي ليست فقط نتاج روح الدعابة لدى أهل المدينة، بل هي انعكاس لتاريخ طويل من الطقوس الاجتماعية والدينية التي أتاحت مساحة للمرح وكسر القواعد، ثم العودة إلى الحياة اليومية. وهكذا، فإن الجنون الذي ارتبط بحمص لم يكن جنوناً مؤلماً، بل جنوناً مرحاً، يعكس روح الدعابة والذكاء، والقدرة على تحويل الضحك إلى أسلوب حياة.








