لكأن الله صنعها بخياله لا بيديه، لتبقى في خيال عاشق قضى العمر يبحث في التيه عن ظل امرأة، مثلما البدوي يبحث في الصحراء عن ظل نخلة. هكذا رأيت بريجيت باردو حين انتقلت من قريتي الى الكلية الشرقية في زحلة. لا كمن ينتقل من قارة الى قارة، ولا من حضارة الى حضارة، وانما الانتقال من زمن الى زمن. من تغريبة بني هلال وسيرة الزير المهلهل الى بؤساء فيكتور هوغو ولآلئ آرثر رامبو بالاشكالية السحرية للأحاسيس!
الطريف أن الرجال في قريتي لم يكونوا يعرفون قطعاً المعنى الاستراتيجي لشفاه المرأة، الا بعدما رأى البعض كلارك غيبل يقبّل فيفيان لي في فيلم “ذهب مع الريح»، دون أن يتنبهوا الى اللحظة الدرامية في الكلمات الأخيرة بين الاثنين، حين سألت فيفيان كلارك “الى أين أذهب»؟ أجاب “بصراحة يا عزيزتي لا أبالي». ولا أدري ماذا حدث من أهوال بعد ذلك الاكتشاف التاريخي للشفتين في ثقافة الجسد…
تصوروا ما يمكن أن يحدث لقروي مراهق، عندما يشاهد فيلم “وخلق الله امرأة» لبريجيت باردو، بتلك المفاتن الصاخبة، التي تتعدى كل قصائد نزار قباني، وكل الآهات التي تناهت وما زالت تتناهى الينا من ألف ليلة وليلة. هل فكر أحدكم بما كانت ترتديه شهرزاد وهي بين يدي شهريار؟ ولكم حلمنا أن نشاهد بريجيت على الأرصفة الرومانسية للمدينة، اذا تسنى لكم أن تشاهدوا تلك المرأة الجميلة، بالمعطف الأحمر، وهي تختال بمظلتها تحت المطر، وحيث الذهاب بالقلب الى آخر الدنيا. حتى الآن ما زلت تقول… آه أيها القلب!
بعد ذلك الفيلم، ولو كنت بشاربي أبي زيد الهلالي، اما أن تسقط قتيلاً أو أن تسقط جريحاً والى الأبد. هي التي انتقلت فجأة من اثارة كل رجال العالم الى الاهتمام بالكلاب، لكأنها لم تختزل زمننا، حتى قيل مثلما حررت حنكة كليمنصو الألزاس واللورين من قبضة بيسمارك، حررت شفتا ب. ب. الخيال الأوروبي من شفتي مارلين مونرو، أو حررت بساقيها الخيال الأوروبي من ساقي مارلين مونرو، اللتين قالت الباحثة في الشؤون السوفياتية هيلين كارير ـ دانكوس، أنهما كانتا وراء انهيار الأمبراطورية الشيوعية لا الصواريخ الأميركية العابرة للقارات. أما من نساء عابرات للأزمنة؟
كانت امرأة الزمن الجميل، وحين رحلت رحل زمن. عندما ظهرت تحت الثريات في فندق السان جورج في بيروت بدعوة من خليل خوري، نجل رئيس الجمهورية بشارة الخوري وصديق فاتنات الغرب، اهتز الشرق الأوسط من أدناه الى أقصاه. أنوثة الزلزال في منطقة قال هيرودوت انها تقع على خط الزلازل. أجل أجل انتهى زمن بريجيت باردو وبدأ زمن كوندوليزا رايس ومورغان أورتاغوس…
لعل هناك من يتذكر أن شارل ديغول قلدها وسام “جوقة الشرف»، لأن ما قدمته الى الخزينة الفرنسية يفوق ما قدمته مصانع مارسيل داسو، بطائرات “الميراج» التي سحقت الجيوش العربية في حرب حزيران 1967، ورأى فيها «الحاخامات» الطيور النحاسية التي بعث بها «يهوه» لانقاذ «بني اسرائيل» من “العماليق».
بريجيت تركت هذا العالم وهي في الحادية والتسعين. المذهل هنا أنها بدأت بالذبول منذ أن كانت في منتصف العمر، وهذا ليس في أي حال عمر الانكسار عند المرأة. يفترض أن تبقى مثل زهرة الفاوانيا بجمالها الفخم، (Fleur de Pivoine) والتي كانت تحبها. من أروع ما كتب في أيقونة الشاشة الفرنسية، كان في “الباري ماتش» التي دعت الى احلال صورتها محل لوحة الموناليزا لليوناردو دي فينشي “لأن شفتي بريجيت تهز حتى عظام الآلهة، في حين أن شفتي الجوكوندا بالابتسامة الملتبسة، لا تتركان سوى الحيرة في عيون من يراها»…
الشاشة الفرنسية عرفت العديد من الفاتنات. كاترين دونوف التي اشبه ما تكون بكأس النبيذ بيد عاشق. ايزابيل أدجاني التي كان النظر الى عينيها كما الرقص على ضفاف البحيرات، ولايتسيا كاستا التي كانت تبدو بالشخصية الصاعقة، وكأنها تمسك بسيف يوليوس قيصر، حتى إنها ظهرت على غلاف أكثر من 250 مجلة عالمية مرموقة. الثلاث حللن محل وجه ماريان، الهة الحرية ورمز الجمهورية في فرنسا.
لكأنها عاصفة النار في أرجاء الجسد. أثارت كثيراً غيرة اليزابت تايلور التي قالت “امراة تليق بعشاق الأزقة». أما أندريه مالرو، وزير الثقافة في عهد شارل ديغول، وفيلسوف “الوضع الانساني”، فقد اقترح أن يقام لها تمثال في قصر فرساي (رمز الملكية المطلقة). معها بدأ التوصيف الذي يطلق على الطائرات المقاتلة، والمعقدة تقنياً (Sophisticated Woman)، ومن ثم (Phenomenal Woman) أي المرأة ـ الظاهرة.
الأميركيون الذين يرون أن أرداف الليدي غاغا تتحكم بدوران الكرة الأرضية، ومن عليها، توقفوا بخشوع عند غياب الأيقونة الفرنسية، مع أنهم يتعاملون مع القارة العجوز كما التعامل مع قهرمانة هرمة. مجلة “فوغ» كتبت “لو كانت مكان حواء لتردد الله في معاقبة آدم والنزول به الى الأرض”…
ذهبت بريجيت باردو، وذهب زمن، لنكون أمام زمن عالق بين شفتي رجل آت للتو، من ليل الغانيات في لاس فيغاس. «اللوموند” كتبت “لكأن التاريخ مات بموتها»، ولكن كيف للخيال أن يموت حين تكون هناك امرأة جميلة، بمعطف أحمر تحت المطر، على رصيف مدينة قال فيها سعيد عقل “لمّا بوعا بزحلة بشوف وج(ه) الله»، و… وجهها!!
نبيه البرجي – الديار اللبنانية – 30 ديسمبر 2025








