الحوار مع سعادة الدكتور أحمد فهمي سفير جمهورية مصر العربية في المجر يؤكد القناعة بأن الدبلوماسية المصرية كانت تاريخياً تتسم بالحضور والمتابعة وإستثمار ثقل مصر السياسي والإقتصادي والموقع الجغرافي المتميز في حضور مصر في الساحة الإقليمية والعالمية، ذلك أن جوانب عدة تناولها الحوار الذي تخلله حديث موسع عن الآثار التنويرية التي طبعتها مصر على الأجيال العربية علماً وثقافة عبر رواد الفكر والثقافة.
ولعل الأمانة تقضي بتأكيد إحساس تكسوه الموضوعية بأن السفير أحمد فهمي يمثل في حضوره وفعالياته ورؤاه الثقافية والإعلامية النموذج المرتجى للسفير المتنكب مهمة وطنية وهي تجسيد كل مايكتنز في وطنه من تاريخ وثقافة وتناغم حضاري وتواصل معرفي. يتماهى مع تاريخية العلاقات الدبلوماسية بين المجر و مصر الممتددة لقرن من الزمن والمصاهره بين الشعبين والتي كان أبرزها زواج الخديوي عباس حلمي من الكونتيسه المجرية Török Marianna.
وهنا نص الحوار:
هل تعرفون القارئ على المحطات الأساسية في مساركم العلمي والعملي ؟
التحقتُ بوزارة الخارجية المصرية في وقت مبكر من حياتي المهنية، وعملت خلال مسيرتي الدبلوماسية على مدار أكثر من 20 عاماً في عدد من بعثات مصر في الخارج في أبيدجان ولندن ووفد مصر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وفي إدارات الوزارة ورئاسة الجمهورية بالقاهرة، حيث تنوعت الخبرات في مختلف الملفات السياسية والاقتصادية. وعلى الصعيد الأكاديمي، حصلت على درجة الماجستير من جامعة دورهام البريطانية ثم الدكتوراة من جامعة سانت أندروز بالمملكة المتحدة في العلاقات الدولية وسياسات الشرق الأوسط، وأتشرف حالياً بتمثيل جمهورية مصر العربية سفيراً لدى المجر.
كيف تصفون واقع العلاقات المصرية المجرية التي تتميز بعمقها التاريخي المتنوع ؟
تعود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى عام ١٩٢٨، ما يجعل المجر من أقدم شركاء مصر في وسط أوروبا. وقد شهدت هذه العلاقات نقلة نوعية بالارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام ٢٠٢٣، وهي اليوم علاقات راسخة تقوم على الاحترام المتبادل وتقارب الرؤى تجاه كثير من القضايا الإقليمية والدولية، وتمتد إلى مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم والسياحة.
زيارات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي للمجر أعطت دفعة لتطور العلاقات ، ما تجليات وتطور العلاقات بين البلدين ؟
شكلت زيارات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بودابست، وما تلاها من لقاءات منتظمة على أعلى مستوى، دفعة قوية للعلاقات الثنائية. ومن أبرز تجليات هذا التطور نمو التبادل التجاري، والتعاون في مجال النقل والسكك الحديدية من خلال عقد توريد عربات الركاب للهيئة القومية لسكك حديد مصر، واستثمارات متبادلة بين الشركات المصرية والمجرية في البلدين، وبرنامج المنح الدراسية الحكومية الذي يتيح سنوياً لمئات الطلاب المصريين الدراسة في الجامعات المجرية، بالإضافة إلى مئات الآلاف من السياحة المتبادلة سنوياً، فضلاً عن التشاور السياسي المنتظم بين وزارتي الخارجية. وتعمل السفارة حالياً على البناء على هذا الرصيد مع الحكومة المجرية الجديدة.
هل تحدثنا عن العلاقات الثقافية وكيف ترون دور الدبلوماسية الثقافية والإعلامية في دفع العلاقات بين البلدين؟
الثقافة ركيزة أساسية في علاقاتنا؛ إذ تمتلك المجر مدرسة عريقة في علم المصريات وتعاوناً متميزاً مع متاحفها وجامعاتها، كما تنظم السفارة فعاليات ثقافية وفنية على مدار العام، كان آخرها مهرجان شرم الشيخ–المجر الدولي للمسرح في بودابست. وأرى أن الدبلوماسية الثقافية والإعلامية هي الجسر الأقرب إلى وجدان الشعوب، كونها تبني صورة صادقة عن مصر وتعمق التفاهم الإنساني الذي يمهد الطريق أمام التعاون السياسي والاقتصادي.
ينظر قطاع واسع من المجريين إلى مصر كمقصد سياحي تاريخي وديني كيف هو حال التبادل السياحي بين البلدين ؟
تحتل مصر مكانة مميزة لدى السائح المجري، سواء للسياحة الترفيهية على شواطئ البحر الأحمر أو للسياحة الثقافية والدينية، وتسهم الرحلات الجوية المباشرة بين بودابست والمقاصد المصرية في نمو مطرد لأعداد السائحين المجريين، وتعمل السفارة بالتنسيق مع الجهات المعنية في مصر على الترويج للمقاصد السياحية المصرية في المعارض والفعاليات المجرية المتخصصة.
ماهي انطباعاتكم عن المجتمع المجري بعد معايشتكم لجوانبه المختلفة ؟
المجتمع المجري مجتمع معتز بهويته وتاريخه ولغته، يقدر العلم والثقافة والفنون، ويتسم بدفء إنساني يلمسه كل من يعيش بين أبنائه. وقد لمست لدى المجريين تقديراً صادقاً لمصر وحضارتها واهتماماً حقيقياً بالتعرف عليها، وهو ما يجعل عملي بينهم تجربة ثرية على المستويين المهني والإنساني.
كيف ترون دور الجالية العربية والمصرية في نسيج المجتمع المجري وكيف تنظرون إلى إمكانية العمل على تسجيلها كأقلية أسوةً بالأقليات المعترف بها بالمجر ؟
الجاليتان العربية والمصرية في المجر نموذج مشرف للاندماج الإيجابي؛ فأبناؤهما من أطباء ومهندسين وأكاديميين ورجال أعمال يسهمون بفاعلية في الاقتصاد والمجتمع المجري مع حفاظهم على هويتهم وثقافتهم. أما مسألة التسجيل كأقلية معترف بها، فهي تخضع لمعايير قانونية محددة في التشريع المجري من اختصاص السلطات المجرية، ونحن نحترم هذا الإطار القانوني، فيما تركز السفارة جهدها على دعم مؤسسات الجالية وتعزيز حضورها الثقافي والاجتماعي وصلتها بوطنها الأم.
ما الكلمة التي تود توجيهها لأبناء الجاليات العربية في المجر ؟
أقول لهم: أنتم سفراء لأوطانكم وثقافتكم في كل موقع تعملون فيه، فكونوا خير مثال على ما تحمله حضارتنا العربية من قيم العلم والعمل والانفتاح. واحرصوا على الاندماج الإيجابي واحترام قوانين البلد المضيف، مع الحفاظ على لغتكم وهويتكم وغرسها في أبنائكم. وأبواب السفارة المصرية مفتوحة دائماً لأبناء الجالية، فهم امتداد طبيعي لمصر في الخارج وسند لعلاقاتها مع المجر.
د. عبدالمنعم قدورة – رئيس التحرير







