تطغى الأحداث والتطورات السياسية في عصرنا الراهن على أخبار وسائل الإعلام بحيث باتت المعلومات عن تاريخ وحضارة البلدان قليلة وبعيده عن متناول الإعلام، وهو أمر لابد من التنبه له، إذ أن نشوء الأجيال على معرفة تاريخ بلدهم إنما هو الرافعه الأساسية للنهوض والتطور وملاقاة أدوات العصر.
ولمعرفتنا ومشاهدتنا لماتحفل به ليبيا من تاريخ وحضارة للفينيقيين والرومان والبيزنطيين والقرطاجيين. فقد توقفنا عند المقال المنشور في صحيفة الشرق الأوسط بقلم عبد الرحمن شلقم (27 يونيو 2026) الذي يتحدث عن أهم الإكتشافات الأثرية الحديثة في ليبيا وهي مومياء (موهي جاج). التي عُثر عليها في منطقة وادي تخرخوري في جنوب ليبيا. يقدَّرُ عمرُها بسبعة آلاف سنة. اكتشفت ما بين عامي 2003 و2006 خلال حفريات أثرية قادها عالم الآثار الأفريقية الإيطالي البروفسور سافينيو دي ليرنيا، الأستاذ بجامعة لاسابيينزا الإيطالية. المومياء طبيعية التحنيط، أي أن الجسد حُفظ بفعل الظروف الطبيعية، حيث البيئة الجافة، وليس عبر تقنيات التحنيط التي عرفتها مصر القديمة مثلاً. نُقلت المومياء إلى إيطاليا، وأجريت عليها دراسات استمرت لمدة 20 سنة، وأعيدت إلى ليبيا مؤخراً ووضعت بالمتحف الوطني الليبي بطرابلس. أجمع علماء آثار ما قبل التاريخ على أنها أقدم الأجساد المحنطة طبيعياً في التاريخ. كشفت تحاليل الحمض النووي الحديثة بقايا بشرية في موقع تخرخوري بجنوب ليبيا الغربي، عاشت في الصحراء التي كانت خضراء منذ آلاف السنين.

مومياء تخرخوري الليبية، التي أُعطيت اسم «موهي جاج»، تختلف عن المومياوات المصرية القديمة في أشياء جوهرية عدة، رغم أنها تشترك معها في أخرى، أهمها الحفظ الاستثنائي للأجساد لآلاف السنين. البروفسور الإيطالي فابريتزو موري، عالم الآثار والإثنوغرافيا، قضى سنوات طويلة يدرس ويبحث في الصحراء الليبية بمنطقة تدرارت وأكاكوس منذ خمسينات القرن الماضي. درس الرسوم والنقوش الصخرية لما قبل التاريخ، وكان أستاذاً للآثار بجامعة لا سبيينزا الإيطالية، وتولى فيها كرسي إثنولوجيا ما قبل التاريخ الأفريقي، أبرزت أبحاثه القيمة التاريخية لموقع أكاكوس، وتم تسجيلها في قائمة التراث العالمي بـ«اليونيسكو».
كان البروفسور موري عاشقاً بل مهووساً بتلك المنطقة العجيبة في كل شيء. اندمج مع سكانها الطوارق، وتعلم شيئاً من اللغة الطارقية. ربطتني به علاقة صداقة وثيقة عندما كنتُ سفيراً لليبيا بروما، فأنا من جنوب ليبيا وأعرف منطقة أكاكوس وتدرارت وكاف الجنون، وزرتها مرات. كان موري عالماً موسوعياً يعيش في التاريخ القديم ويعيش فيه، ولا يمل الحديث عن تلك الدنيا التي لا يغادرها أو تغادره. أسس جيلاً من علماء آثار ما قبل التاريخ، تحديداً عن جنوب غربي ليبيا، وبرز من بينهم البروفسور سافينيو دي ليرنيا مكتشف المومياء الأسطورية. تكمن أهمية مومياء «موهي جاج» في منطقة تخرخوري في أنها تعود إلى زمن كانت فيه الصحراء الكبرى منطقة خضراء ممتلئة بالبحيرات والمراعي، وسكان المنطقة كانوا يمارسون الرعي، ولهم طقوس دفن متقدمة في زمنهم. عُثر بجانب المومياء على هياكل عظمية لأفراد من المجتمع نفسه، وكذلك بقايا مواشٍ وأدوات حجرية وعظمية وأوانٍ فخارية ونقوش صخرية، في منطقة تدرارت أكاكوس توثق الحياة اليومية في ذلك الزمن السحيق. تلك الاكتشافات تجعل من موقع تخرخوري أحد أهم المواقع لفهم تاريخ الإنسان في الصحراء الكبرى، قبل ظهور الحضارات القديمة في مصر ومنطقة ما بين النهرين. ذلك الاكتشاف التاريخي لم يكن نتاج جهد شخص واحد، بل شارك فيه فريق من العلماء، أبرزهم عالم الآثار الإيطالي الكبير ستيفانو بياجيتي.
تشير تلك المحطات التاريخية إلى الدور الريادي الذي لعبته ليبيا في إبراز التجليات الإنسانية للحضارة العربية الإسلامية.







